الحلبي
311
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أي وصار يقول : نفسي لنفسك الفداء ، ووجهي لوجهك الوقاء ، فلم يزل يرمي بها . وكان الرجل يمرّ بالجعبة بضم الجيم من النبل فيقول صلى اللّه عليه وسلم انثرها لأبي طلحة ، أي وكسر ذلك اليوم قوسين أو ثلاثة ، وصار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يشرف : أي ينظر إلى القوم . وفي لفظ : ليرى مواضع النبل ، فيقول له أبو طلحة : يا نبي اللّه بأبي أنت وأمي لا تشرف يصبك سهم من سهام القوم ، نحري دون نحرك انتهى ، أي ويتطاول أبو طلحة بصدره يقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . واستدل بذلك على أن من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم أنه يجب على كل مؤمن أن يؤثر حياته صلى اللّه عليه وسلم على حياته . قال : فلا خلاف أن هذا لا يجب لغيره ، وهذا المذكور عن أبي طلحة من قوله : نحري دون نحرك نقله ابن المنير عن سعد بن أبي وقاص فقال ولهذا قال سعد يوم أحد : نحري دون نحرك ، ولا زال صلى اللّه عليه وسلم يرمي عن قوسه أي المسماة بالكتوم لعدم تصويتها إذا رمى عنها حتى صارت شظايا : أي ذهب منها قطع . وفي رواية : رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها ، والسية : ما انعطف من طرفي القوس اللذين هما محل الوتر . قال : وما زال صلى اللّه عليه وسلم يرمي عن قوسه حتى تقطع وتره وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرا في سية القوس ، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له . فقال : يا رسول اللّه لا يبلغ الوتر ، فقال : مده يبلغ . قال عكاشة : فوالذي بعثه بالحق لمددته حتى بلغ وطويت منه لفتين أو ثلاثا على سية القوس ، ورمي صلى اللّه عليه وسلم بالحجارة وكان أقرب الناس إلى القوم ا ه . أي وأنكر الإمام أبو العباس بن تيمية كونه صلى اللّه عليه وسلم رمى عن قوسه حتى صارت شظايا ، أي لأنه يبعد وجود رميه صلى اللّه عليه وسلم من غير إصابة ، ولو أصاب أحدا لذكر ، لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله . وقاتل جماعة من أصحابه منهم سعد بن أبي وقاص ، فإنه كان من الرماة المذكورين رمى بقوسه . قال سعد : لقد رأيته : يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم يناولني النبل ويقول « ارم فداك أبي وأمي » حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل فيقول ارم به . وقد تقدم أنه رمى بسهم من تلك السهام التي لا نصل لها لمن رمى أم أيمن . قال : وفي رواية عن سعد قال « أجلسني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمامه ، فجعلت أرمي وأقول : اللهم سهمك فارم به عدوّك ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : اللهم استجب لسعد ، اللهم سدد رميته ، وأجب دعوته ، حتى إذا فرغت من كنانتي نثر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما في كنانته » ا ه أي فكان سعد مجاب الدعوة كما تقدم . ولما سعى أهل الكوفة به إلى سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه ، أرسل جماعة للكوفة يسألون عن حاله من أهل الكوفة ، فصاروا كلما سألوا عنه أحدا قال خيرا